الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
478
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والتي هي الهدف لحياة وفناء هذه الدنيا ، ومن البديهي لأي شخص لم ير الدار الآخرة أنه لن يستطيع إدراكها ومعرفة قوانينها والأنظمة المسيطرة عليها من خلال الألفاظ والصور التي تنقل لنا عنها ، نعم إننا نستطيع أن نرى شبحها وظلالها فقط من التصوير اللفظي لها ، ولذا فإن الآية أعلاه تعكس هذه الحقيقة ، حيث تذكر أن الله سيخلقنا في عالم جديد وبأشكال وظروف جديدة لا ندرك أسرارها ( 1 ) . وفي آخر آية - مورد البحث - يتحدث سبحانه عن رابع دليل للمعاد حيث يقول : ولقد علمتم النشأة الأولى أفلا تذكرون . هذا الدليل نستطيع بيانه بصورتين : الأولى : في المثال التالي : إذا كنا نسير في صحراء وشاهدنا قصرا مهيبا عظيما مثيرا للإعجاب في محتوياته ومواد بنائه وهندسته ، وقيل لنا : إن الهدف من هذا القصر هو استعماله كمحطة للراحة والهدوء لعدة ساعات فقط لقافلة صغيرة . . فإننا سنحكم في أنفسنا بصورة قاطعة على عدم الحكمة في هذا العمل ، إذ من المناسب لمثل الهدف المتقدم ذكره أن تعد خيمة صغيرة فقط . وعلى هذا فإن خلق هذه الدنيا العظيمة وما فيها من أجرام سماوية وشمس وقمر وأنواع المخلوقات الأرضية الأخرى ، هل يمكن أن يكون لهدف صغير محدود ، كأن يعيش الإنسان فيها بضعة أيام ؟ كلا ليس كذلك ، وإلا فإنه يعني أن خلق العالم سيكون بدون هدف ، ولكن مما لا شك فيه أن هذه المخلوقات العظيمة قد خلقت لموجود شريف - مثل الإنسان - ليعرف الله سبحانه من خلالها ، معرفة تكون رأسماله الوحيد في الدار الآخرة ، فالهدف إذن هو الدار الآخرة ، وهذا دليل آخر على المعاد . وهذا البيان هو ما نجده في الآية الشريفة : وما خلقنا السماء والأرض وما
--> 1 - اعتبر البعض أن الآية هي إشارة إلى مسخ الأقوام السابقين في هذا العالم ، حيث إن الله سبحانه قد مسخهم بأشكال لا يعلمونها ، إلا أن هذا المعنى لا ينسجم مع ظاهر الآية .